الكتاتيب في المسجد النبوي الشريف
الكتاتيب ومفردها كُتّاب، والكتاب: هو موضع الكتابة، والمكان الذي يتلقى فيه الصبيان العلم، ويجتمعون فيه لحفظ القرآن الكريم قراءة وكتابة، وتلقي مبادئ الدين الإسلامي، واللغة العربية، وبعض العلوم الأخرى، ويدير الكتاب معلم يطلق عليه عدة أسماء منها:
المعلم، المؤدب، الفقيه، الملا، ويشترط فيه عدة شروط من أهمها: - رسوخ العقيدة الإسلامية لديه - الإلمام بالمواد التي يدرسها، مراعاة ميول وحاجات الأطفال ومعاملتهم بالإحسان والتلطّف، وإلى جانب المؤدب يوجد شخص آخر يسمى العريف، وهو بمثابة أحد كبار الصبية النابهين، يشرف على زملائه في فترة غياب المؤدب.
ولا يقتصر دور المؤدب على تعليم الأطفال القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وغيرها، بل يحرص على تنشئتهم النشأة الصالحة ويغرس في نفوسهم الأخلاق الحميدة والمبادئ الفاضلة، وقد اشتهرت الكتاتيب في بلدان العالم الإسلامي شرقه وغربه، واعتبره بعض الدارسين على أنه مؤسسة إسلامية عرفها المسلمون منذ فجر الإسلام، ومن هذه البلدان الجزيرة العربية وخاصة في بلاد الحرمين الشريفين، وكانت هذه الكتاتيب قوام التعليم حتى ما بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري، وفي المدينة المنورة لعب الكتّاب دوراً بارزاً في حياة المدنيين فأول ما عرفه المسلمون في المدينة كان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما كثر عدد صبيان المسلمين، ولا يجدون من يعلمهم، فأمر باتخاذ كتاتيب في كل حي من أحياء المدينة، يغدو إليه الصبيان يتعلمون فيه كتاب الله ومبادئ القراءة والكتابة، وجعل للمعلم المتفرغ لذلك أجراً على عمله، ومن الأماكن التي انتشرت فيها الكتاتيب في المدينة المسجد النبوي الشريف.
وقد ظل المسجد على مدى تاريخه الطويل المنهل العذب والمدرسة الأولى التي يتلقى فيها الطلاب العلم والتعليم، وتخرجت منه أجيال عديدة من أبناء المدينة والمسلمين كافة، وبقيت ساحاته وجوانبه زاخرة بحلقات العلم حتى الآن، وبالكتاتيب حتى فترة متأخرة من القرن الرابع عشر الهجري، وقد تناول هذه الكتاتيب عدد من المؤرخين والدارسين منهم :
علي بن موسى في كتابه وصف المدينة عام 1303هـ، فذكر أن في المسجد النبوي اثني عشر كُتّاباً للقراءة وواحداً لتعليم اللغة الفارسية، ومكانها في الجهة الشمالية من المسجد بجوار باب المجيدي.
وجاء في التقويم الرسمي العثماني لولاية الحجاز [سالنامة ولاية الحجاز] بين عامي [1301-1309هـ] إحصائية عن الكتاتيب الموجودة داخل المسجد النبوي وخارجه كما يلي:
العام عدد الكتاتيب عدد المدرسين عدد العرفاء عدد التلاميذ
1301هـ 13 12 12 250
1303هـ 13 12 12 250
1305هـ 13 12 12 360
1306هـ 13 12 12 360
1309هـ 13 12 12 360
وذكر إبراهيم رفعت باشا في كتابه (مرآة الحرمين) أنه شاهد عام 1318هـ / 1891م في الجهة الشرقية من المسجد النبوي كُتّاباً ذا طابقين أرضي وعلوي، يتعلم فيه الصبيان القرآن الكريم ومبادئ العلوم الأولية.
وذكر الشيخ جعفر فقيه في حديثه عن التعليم في المدينة المنورة في بداية القرن العشرين وبحدود عام 1325هـ أن عدد الكتاتيب في المسجد النبوي كان ستة كتاتيب هي:
1- كتاب الشيخ مصطفى بن أحمد فقيه، وقد بدأ التعليم فيه عام 1273هـ، ثم خلفه أخوه إبراهيم.
2- كتاب الشيخ مصطفى الزهار: وقد بدأ التعليم فيه عام 1300هـ، ثم تولاه الشيخ محمد التابعي، ثم الشيخ عبد الفتاح أبو خضير.
3- كتاب الشيخ إبراهيم الطرودي: وقد بدأ التعليم فيه عام 1300هـ
4- كتاب الشيخ بشير المغربي: وقد بدأ التعليم فيه عام 1300هـ.
5- كتاب الشيخ عبيد السناري والشيخ الحافظ حمدي أفندي الذي كان يعلم اللغتين التركية والفارسية.
وكان شيخ كل كتّاب من هذه الكتاتيب يتقاضى معاشاً من الخزينة النبوية مقداره مائتا قرش عثماني والعريف يتقاضى مائة قرش عثماني.
وذكر الأستاذ عثمان حافظ في كتابه صور وذكريات أن عدد الكتاتيب في المسجد النبوي الشريف في عام 1333هـ /1914م كان (8) كتاتيب وموقعها في الجهة الشمالية من المسجد، وقد تعطلت بسبب الحرب العالمية الأولى.
وذكر الأستاذ ناجي الأنصاري في كتابه (التعليم في المدينة المنورة) أن عدد الكتاتيب بالمدينة المنورة في عام 1349هـ ثلاثة كتاتيب أميرية في داخل المسجد النبوي الشريف، ومجموع التلاميذ بها (125) تلميذاً، وعدد المعلمين فيها (6) معلمين، حيث تطلب كتاب الشيخ محمد التابعي مساعدة 3 معلمين غيره.
وقد بقيت هذه الكتاتيب تؤدي رسالتها التعليمية والتربوية في حدود إمكانياتها المادية والفنية والبشرية وفي ظل وظيفتها الدينية، ومع بداية العهد السعودي عام 1344هـ، أولتها الحكومة السعودية عنايتها والإشراف عليها وتوجيه المعلمين فيها، وتخصيص الرواتب لهم، وتعليمهم طرق التدريس الحديثة، ومتابعة الالتزام بذلك، ومنذ عام 1373هـ أخذت هذه الكتاتيب سواء داخل المسجد النبوي أو في المدينة تتلاشى شيئاً فشيئاً بعدما أخذت المدارس النظامية الحكومية والروضات الأهلية تزحف عليها وتحتل مكانتها، ولم يبق من هذه الكتاتيب في المسجد إلا حلقات لتعليم القرآن الكريم وحلقات أخرى لدروس العلم، حيث بلغ عدد حلقات تعليم القرآن الكريم للصغار عند تاريخ إعداد هذه المعلومة (1420هـ) (20) حلقة يتعلم فيها نحو (600) تلميذ.
------------------------
للتوسع:
مرآة الحرمين / إبراهيم رفعت.
التعليم في المدينة المنورة / ناجي الأنصاري.