الصُّفة
تاريخها - أصحابها
دراسة تاريخية توثيقية
القسم الأول
محمود محمد حمو
ماجستير في الدراسات الإسلامية
مقدمة
منذ بزوغ فجر الإسلام في المدينة المنورة ، بدأت الوفود المؤمنة تردها لتعلن الإسلام، وتتعلم الأحكام، فكان المسجد النبوي مدرسة العلماء، ومأوى الغرباء، ومسكن الفقراء، وتمثل الصُّفة فيه مرحلة هامة، إذ تعد أول مدرسة علمية وتربوية واجتماعية في ذلك العهد. التعريف بالصفة: الصُّفَّة في اللغة: - بضم الصاد، وتشديد الفاء - الظُّلة،1). قال الليث: الصُّفَّة من البنيان شبه البهو الواسع، الطويل السَّمْك(2). وقال الأَزهريّ: الصُّفَّة موضع بهو مظلَّل(3). ومنه صفة المهاجرين، وصُّفَّة زمزم(4)، وصُّفَّة النساء(5). ويراد بها في الاصطلاح: مكان مظلَّل في مُؤَخَّر المسجد النَّبويّ؛ أعِدّ لنُزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى له، ولا أهل(6). تاريخ الصفة بداية نشأة الصفة: لما وصل النبي r المدينة مهاجراً إليها من مكة، بنى مسجده الشريف، وآخى بين المهاجرين والأنصار، فاستقبلهم الأنصار في بيوتهم، وشاطروهم أموالهم، إلا أن استمرار تدفق المهاجرين إلى المدينة، أعقب ظهور مشكلة تتعلق بمعيشة هؤلاء المهاجرين الذين تركوا بيوتهم وأموالهم ومتاعهم، وقدموا المدينة يريدون الله ورسوله والدار الآخرة، حيث لم يجد الكثير منهم مكاناً يأوون إليه، فنزلوا المسجد النبوي الشريف، واستوطنوه، واستمروا فيه إلى أن حولت القبلة إلى الكعبة المشرفة، وطول هذه المدة لم يشر أحد من المؤرخين إلى أن المكان الذي نزل فيه هؤلاء الصحابة يسمى الصفة أو الظلة، إنما بدأ تاريخ إطلاق الاسم عليها بعد تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وذلك بعد الهجرة بستة عشر، أو سبعة عشر شهراً(7)، حيث ترك النبي r المكان المظلل في الجهة الشمالية في المسجد ( القبلة الأولى ) مكاناً لأولئك المهاجرين، ومنذ ذلك الوقت أطلق عليه اسم الصفة(8). روى البيهقي عن عثمان بن اليمان قال: « لما كثر المهاجرون بالمدينة، ولم يكن لهم دار ولا مأوى، أنزلهم رسول الله r المسجد، وسماهم أصحاب الصفة، فكان يجالسهم، ويأنس بهم »(9). قال الذهبي: "إن القبلة قبل أن تحوَّل كانت في شمالي المسجد، فلما حوُّلت القبلة بقي حائط القبلة الأعلى مكان أهل الصفة". اهـ(10). نهاية الصفة: لم تذكر المصادر التاريخية تاريخ خروج الصحابة من الصفة، إلا أن عدداً من العلماء أشار إلى أن انتهاء الصفة كان مع بداية العهد الراشدي(11)؛ لأن الهجرة إلى المدينة قد انقطعت بعد فتح مكة، حيث قالr: « لا هجرة بعد الفتح»(12)؛ ولأن الحاجة التي دفعت أهل الصفة للجلوس فيها من ملازمة النبي r، والتعلم منه، وخدمته، لم تعد موجودة بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، إضافة إلى أن الله تعالى قد فتح على المسلمين الفتوح، فاغتنى المسلمون، ولم تعد الضرورة قائمة لأكل الصدقة. قال ابن الجوزي: « هؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة، وإنما أكلوا من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين، استغنوا عن تلك الحال وخرجوا »(13). إلا أنه ومن خلال تتبعي لتاريخ الصفة، وقفت على أثرين أشارا إلى أن أهل الصفة كانوا موجودين بعد عهد النبي r. الأول: ما روي عن عمر بن الخطاب t أنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما خرج إلى أهل الصفة، فقال: ألا تهنئوني؟ قالوا: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم، وإني سمعت رسول الله r يقول: « كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة غير سبـبي ونسبي »(14). والثاني: ما روي عن هارون الرشيد أنه لما قدم المدينة أخلي له المسجد، فوقف على قبر رسول الله r وعلى منبره، ثم قال: قفوا بي على أهل الصفة، وكان من أهلها رجل يكنى أبا نصر من جهينة، ذاهب العقل، في غير ما الناس فيه، لا يتكلم حتى يُكَلم، وكان يجلس مع أهل الصفة في آخر مسجد رسول الله r، وكان إذا سئل عن شيء أجاب فيه جواباً حسناً مغرباً،فلما وقفوا عليهم حُرك أبو نصر، وقيل: هو أمير المؤمنين، فرفع رأسه، وقال: أيها الرجل، إنه ليس بين عباد الله وأمة نبيه، ورعيتك وبين الله خلق غيرك، وإن الله سائلك عنهم، فأعد للمسألة جواباً، وقد قال عمر بن الخطاب: لو ضاعت سخلة على شاطئ الفرات لخاف عمر أن يسأله الله عنها، فبكى هارون، وقال: يا أبا نصر، إن رعيتي غير رعية عمر، ودهري غير دهر عمر، فقال له: هذا والله غير مغن عنك، فانظر لنفسك، فإنك وعمر تُسألان عما خولكما الله، فدعا هارون بصُرّة فيها ثلاثمائة دينار، فقال: ادفعوها إلى أبي نصر، فقال أبو نصر: ما أنا إلا رجل من أهل الصفة، فادفعوها إلى فلان، يفرقها عليهم، ويجعلني كرجل منهم(15). ولدى التأمل في هذين الأثرين يتبين عدم دلالتهما على المراد. أما الأثر الأول: فقد روي بروايات مختلفة، تدل على أن لفظ « أهل الصفة » ليس مراداً بالمعنى المصطلح عليه، إنما المراد من كان جالساً في مكانها، فقد رواه الطبراني في المعجم الكبير(16)، وأبو نعيم في الحلية(17) بلفظ: « قام علي فجاء الصفة، فوجد العباس وعقيلاً والحسين، فشاورهم في تزويج أم كلثوم عمر»، ورواه الحاكم في المستدرك(18) بلفظ: « فأتى عمر المهاجرين »، وعند البيهقي في السنن الكبرى(19) بلفظ: « لما تزوج عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- أم كلثوم بنت علي -رضي الله عنهما- أتى مجلساً في مسجد رسول الله r بين القبر والمنبر للمهاجرين، لم يكن يجلس فيه غيرهم، فدعوا له بالبركة »، وفي مصنف عبد الرزاق(20) بلفظ: « فجاء إلى أصحابه فدعوا له بالبركة ». ومع هذا نجد أن الحافظ ابن حجر قد حكم على الرواية التي فيها ذكر أهل الصفة بأنها منقطعة. مكان الصفة وأما الأثر الثاني: فالمتأمل في أخبار الصفة وأهلها يتبين له أن جلوس هؤلاء القوم في الصفة على عهد هارون الرشيد ومن بعده لم يكن إلا من باب التشبه بأهل الصفة مع نية الاعتكاف في المسجد، لا أنهم من أهلها المقيمين فيها أبداً، إذ لم تعد الدوافع والبواعث موجودة كما كانت في عهد النبي r، وملازمة مكان الصفة، والحرص على الجلوس فيها حاصل إلى زماننا هذا، كما أن كتب السير والتراجم وما ألف في أهل الصفة لم تشر إلى أنه نزلها أحد بعد العهد النبوي الشريف، إضافة إلى أن الصحابة الذين كانوا في الصفة خرجوا منها بعد أن فتحت الفتوح، وكثرت الخيرات، فكيف يدخلها من جاء بعدهم! تقع الصفة في مؤخر مسجد النبي r من جهته الشمالية. قال القاضي عياض: «الصفة ظلة في مؤخر مسجد النبي r»(21). وقال الحافظ ابن حجر: «الصفة مكان في مؤخر المسجد النبوي مظلل»(22). وذهب ابن جبير وابن الضياء إلى أن موقع الصفة خارج المسجد، حيث قال ابن الضياء في تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام(23): «وأهل الصفة هم أهل مسجد رسول الله r، والصفة بالمدينة خارج المسجد، وبمكة داخل المسجد».اهـ. ولم يحدد ابن الضياء مكانها خارج المسجد، أما ابن جبير فقد حدد مكان الصفة في رحلته عند وصفه للمدينة المنورة بقوله(24): «وفي آخر القرية تل مشرف يعرف بعرفات، يدخل إليه على دار الصفة حيث كان عمار وسلمان وأصحابهما المعروفون بأهل الصفة».اهـ. وهذا القول فيه نظر، فقد وصف المجد قول ابن جبير فيما نقله السمهودي(25)عنه بأنه وهم، إضافة إلى أنه مخالف للنصوص الصريحة الدالة على أن أهل الصفة كان مقامهم في المسجد، فقد روى البيهقي عن عثمان بن اليمان قال: « لما كثر المهاجرون بالمدينة، ولم يكن لهم دار ولا مأوى، أنزلهم رسول الله r المسجد، وسماهم أصحاب الصفة، فكان يجالسهم، ويأنس بهم»(26). وروى ابن سعد في الطبقات عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: « كان أهل الصفة ناساً من أصحاب رسول الله r لا منازل لهم، فكانوا ينامون على عهد رسول الله r في المسجد، ويظلون فيه، ما لهم مأوى غيره »(27). أما تحديد موقع الصفة من المسجد، فيختلف باختلاف تغير الحائط الشمالي حيث كان أهل الصفة يجلسون، ذلك أن المسجد تمت توسعته في عهد النبي r سنة 7 هـ. من جهاته الثلاثة الشرقية والغربية والشمالية بعد بنائه الأول. الصفة في البناء الأول للمسجد النبوي: موقع الصفة: تقع الصفة في الجهة الشمالية من المسجد، مكان الظلة التي كان يصلي فيها المسلمون إلى بيت المقدس، فإنه لما حُوِّلت القبلة إلى الكعبة كان لا بد من نقل الظلة التي أقيمت لتقي المصلين الحر والمطر من الجهة الشمالية إلى الجهة الجنوبية، بيد أن الحاجة إليها لإيواء الفقراء والمساكين أوجبت بقاءها، وإقامة أخرى في الجهة الجنوبية، فبقيت ظلة القبلة الأولى مكاناً لأهل الصفة، وأصبح للمسجد لأول مرة ظلتان، يتوسطهما صحن مكشوف(28). يقول الحافظ الذهبيّ: «كانت هذه القبلة في شماليّ المسجد، فلما حُوِّلت القبلة بقي حائط القبلة الأولى مكان أهل الصُّفَّة»(29). ولتحديد مكان الصفة في البناء الأول علينا أن نعرف طول المسجد من جنوبه إلى شماله أولاً. فعن خارجة بن زيد -أحد فقهاء المدينة السبعة- قال: «بنى رسول الله rمسجده سبعين ذراعاً في ستين أو يزيد».(30)اهـ. وهو الذي جزم به ابن النجار فقال: «بنى رسول الله r مسجده مربعاً، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وطوله سبعين ذراعاً في ستين ذراعاً أو يزيد».اهـ. وقد اختبر السمهودي بنفسه طول المسجد من الجنوب إلى الشمال فكان سبعين ذراعاً(31)، أي: نحو خمسة وثلاثين متراً(32)، إذ الذراع يساوي نصف متر تقريباً. وعلى هذا يكون موضع الحائط الشمالي للمسجد، هو الأسطوانة الخامسة من شمالي أسطوانة السيدة عائشة رضي الله عنها، وهو ما يوازي مصلاه إلى بيت المقدس، انظر الشكل ( 1 ). وأسند ابن زبالة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- في تحديد موضع مصلى النبي r إلى بيت المقدس قوله: « كان مصلاه r الذي صلى فيه بالناس إلى الشام في مسجده أن تضع موضع الأسطوان المخلق(33) اليوم خلف ظهرك، ثم تمشي إلى الشام، حتى إذا كنت يمنى باب آل عثمان كانت قبلته ذلك الموضع »(34). وعبر عنه المطري بقوله: «حتى إذا كنت محاذياً باب عثمان المعروف اليوم بباب جبريل عليه السلام، والباب على منكبك الأيمن، وأنت في صحن المسجد، كانت قبلته في ذلك الموضع »(35). بناء الصفة: تبين لنا مما سبق أن الصفة هي ظلة المسجد في قبلته إلى بيت المقدس، وقد جاءت الروايات تصف لنا بناء النبي r لمسجده أول مرة، فعن أنس –رضي الله عنه- أن النبي r لما أخذ المربد من بني النجار، كان فيه نخل وبعض قبور المشركين وخرب، فأمر النبي r بالنخيل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة له، وجعلوا عضادتيه حجارة (36)، وبنوا باقيه من اللبن، ورفعوا جداره قامة وشيئاً، وفي صحيح البخاري(37): «كان جدار المسجد ما كادت الشاة تجوزها »، وكان عرض الحائط لبنة لبنة، طوله سبعون ذراعاً في ستين ذراعاً، وجعلوا له ثلاثة أبواب، ولم يكن له سقف، فلما شكا المسلمون الحر والمطر، قالوا: يا رسول الله، لو أمرت بالمسجد فظلل، قال: نعم، فأقيم له سوار من جذوع النخل شقة شقة، ثم طرحت عليها العوارض والخصف والإذخر، ورفعوا حيطانه سبعة أذرع أو خمسة، فأصابتهم الأمطار، فجعل المسجد يكف بهم، فقالوا: يا رسول الله، لو أمرت بالمسجد فطين، فقال لهم: « عريش كعريش موسى، ثمام(38) وخشيبات، فالأمر أعجل من ذلك »(39)، وكانت قبلته إلى بيت المقدس حيث توجه المسلمون إليه ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً (40). مساحة الظلة: لم تشر الروايات إلى مساحة الظلة أو عدد صفوفها من الأسطوانات، إلا أنه من المؤكد أنها كانت تمتد من شرق المسجد إلى غربه، على طول الحائط الشمالي، أي: بطول ستين ذراعاً، ويذكر إبراهيم رفعت في مرآة الحرمين(41) أن هذه الظلة كانت ثلاثة صفوف من الأعمدة بكل صف تسع سواري، وهو ما ذهب إليه الدكتور أحمد فكري(42)، وهذا فيه بُعد؛ لأن الروايات التاريخية لم تذكر وصفاً لهذه الظلة، ولعله اشتبه عليهما وصف الظلة الجنوبية فجعلوها للشمالية، أو أنهما اعتبراها مثل الظلة الجنوبية، إضافة إلى أن القبلة لما حولت إلى الكعبة بقيت هذه الظلة مكانها، ثم بنيت ظلة أخرى في الجهة الجنوبية بعرض ثلاثة أساطين، وكان ما بين الظلتين رحبة(43)، فلو سلمنا بأن صفوف الأساطين في الجهة الشمالية ثلاثة، لكان مجموع صفوف الأساطين في الظلتين ستة، وحيث إن بين كل أسطوانتين عشرة أذرع(44)، فإن طول الظلتين سيكون ستين ذراعاً، وطول المسجد من شماله لجنوبه سبعون ذراعاً أو أقل، وعليه فإن الرحبة التي بين الظلتين ستكون بعرض عشرة أذرع فقط، وهذا بعيد. ويظهر لي أن الظلة الشمالية كانت أقل من ذلك، خاصة أنها كانت في بدايات بناء المسجد، وهي أول ظلة تُبنى للمسجد حيث لم يكن المسجد مظللاً أصلاً، إضافة إلى أن بعض الأقوال تشير إلى أن الظلة الشمالية لم تبن إلا بعد تحويل القبلة، وعليه فلا داعي لبنائها بهذه المساحة الكبيرة التي تساوي (450 ) متراً مربعاً، وقد حددها محمد إلياس فجعلها صفاً واحداً من السواري حسب رسمه التقريبي لموقع الصفة في المسجد، انظر الشكل ( 2 ). وهذا أقرب الأقوال. ومما يؤيد ذلك ما رواه مسلم في صحيحه(45) أن النبي r عمل وليمة زواجه بزينب بنت جحش –رضي الله عنها- في السنة الخامسة من الهجرة، -أي قبل البناء الثاني للمسجد- حضرها زهاء ثلاثمائة رجل حتى امتلأت الحجرة والصُّفة كما يصف ذلك أنس -رضي الله عنه- راوي الحديث، مما يدل على أن هذه الظلة لم تكن واسعة جداً، فبالحساب التقريبي نستطيع أن نقول: إن مساحة جلوس كل شخصين يحتاج لمتر واحد مربع تقريباً، و( 300 ) شخص يحتاجون إلى (150 ) متراً مربعاً. والظلة إن كانت من صف واحد على امتداد الحائط الشمالي، فإنها تساوي: ( 150) متراً مربعاً، وبيانه: عرض الظلة عشرة أذرع ( تساوي 5 م ) × طول الظلة ستون ذراعاً (تساوي 30 م). الصفة في البناء الثاني من عهده r، ومساحتها: في السنة السابعة للهجرة وبعد غزوة خيبر ضاق المسجد بالمصلين، فعزم رسول الله r على زيادة مساحته. روى الترمذي والنسائي في قصة إشراف عثمان على الناس يوم الدار، عن ثمامة بن حزن القشيري أن عثمان –رضي الله عنه – قال: « أنشدكم بالله وبالإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله؟ فقال رسول الله r: « من يشتري بقعة آل فلان، فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟ » فاشتريتها من صلب مالي...الحديث»(46). وقد تمت توسعة المسجد من ثلاث جهات، فزيد في المسجد من جهة الشرق عشرة أذرع، أو أسطوانة، ومن جهة الغرب عشرين ذراعاً، أو أسطوانتين، ومن جهة الشمال أربعين ذراعاً، أو أربع أسطوانات(47)، فأصبح المسجد بعد توسعته مائة ذراع في مائة ذراع(48)، وكانت ظلته الجنوبية حينذاك ثلاثة صفوف من الأسطوانات بكل صف تسع سوار من جذوع النخل(49). أما الظلة الشمالية - والتي كانت مأوى لأهل الصفة- فإنها بعد التوسعة أصبحت تتوسط الرحبة ( الصحن )، حيث أزيلت الجدران الثلاثة عنها، ومن ثم كان لا بد من أن تزال هي أيضاً، وتؤخر إلى حائط المسجد الشمالي، والذي بعُد عن موقعه الأول أربعون ذراعاً. وقد قام عدد من علماء الآثار بعمل رسومات تخطيطية للمسجد النبوي في عهد الرسول r، إلا أن رسومهم اختلفت في وصف وتحديد موقع الصفة، وذلك إلى أقوال هي: القول الأول: تقع الصفة في الركن الشمالي الغربي، وهو قول كريسويل(50)، والدكتور فريد شافعي(51)، والدكتور سعاد ماهر(52)، والدكتور أحمد رجب(53) إلا أنهم اختلفوا في عدد السواري مع اتفاقهم على أنها صف واحد من السواري، فقد جعل كريسويل لها تسع سوار، انظر الشكل ( 3 )، في حين جعلها الدكتور فريد شافعي سبع سوار. انظر الشكل ( 4 )، بينما جعلها الدكتور أحمد رجب أربع، أو خمس سوار على الأكثر؛ لكونها لا تمتد لأكثر من نصف امتداد الأروقة. انظر الشكل ( 5 ). القول الثاني: تقع الصفة في الركن الشمالي الشرقي، وهي ظلة صغيرة، وهو قول محمود عكوش(54). انظر الشكل ( 6 ). القول الثالث: تقع الصفة في الجهة الشمالية، وتمتد ظلتها من الشرق إلى الغرب، وهو قول الدكتور أحمد فكري(55)، والدكتور الشهري(56)، والدكتور حسن الباشا(57)، والدكتور محمد إلياس(58)، لكن فكري والشهري جعلا للظلة ثلاثة صفوف من السواري بكل صف تسع سواري، أي: مثل الظلة الجنوبية. انظر الشكل ( 7 )، في حين جعل الدكتور حسن الباشا لها صفين من السواري. انظر الشكل ( 8 )، أما محمد إلياس فجعلها صفاً واحداً من السواري، إلا أنه جعل نهاية موقع الصفة من الجهة الغربية ما يوازي حدود المسجد الأول من الغرب، ولم يمدها إلى الحائط الغربي بعد التوسعة، أي: أنه جعلها سبع سواري لا تسع. انظر الشكل ( 9 ). القول الرابع: أن "دكة الأغوات"(59) هي مكان الصفة، وتقع الدكة شمال مقصورة الحجرة الشريفة , وعلى يمين الداخل من باب جبريل، وعلى يسار الداخل من باب النساء، وهو قول الخياري(60). انظر صورة " دكة الأغوات " ولا يخفى بُعد هذا القول؛ لأن هذا الموضع كان خارج المسجد من جهته الشرقية في زمن النبي r، فهو موازي لحجراته r، وأول توسعة أدخلت الحجرات ومكان الدكة في المسجد كانت في عهد عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- سنة 91هـ. ويعلل الدكتور محمد إلياس لأصحاب هذا القول بأنه ربما أقيمت هذه الدكة في شبه محاذاة الصفة عند توسعة المسجد النبوي الشريف من جهته الشرقية، وذلك مثل الأبواب الأثرية التي جعلت في محاذاة محلها الأول عند التوسعات(61). أما الأقوال الثلاثة الأولى فإنها محض اجتهاد ورأي لا مستند لها، حيث لم ترد روايات تصف الظلة الشمالية وتحدِّدها، والذي يترجح عندي أن الصفة كانت تمتد على طول الحائط الشمالي من شرقي المسجد إلى غربيه، بصف واحد من الأساطين، انظر الشكل (10 )، وذلك للأسباب التالية: 1- أن كل من تكلم عن موقع الصفة حددها بالحائط الشمالي، أو مؤخرة المسجد، وحصْرها في أحد ركنيه الشرقي أو الغربي لا مسوغ له، خاصة أن عدد أهل الصفة في ازدياد. 2- أن الظلة في البناء الأول للمسجد كانت على امتداد الحائط الشمالي. 3- أن مساحة الظلة في أحد ركني المسجد لا يفي بالغرض الذي من أجله بنيت الظلة، فمساحتها في أحد الركنين تقدر بـ 125 متراً مربعاً(62)، وهي لا تكفي لإقامة مائة رجل، مع أن عددهم قد بلغ الأربعمائة في آن واحد. 4- أن جعل الظلة ثلاثة صفوف على امتداد الحائط الشمالي مساحة كبيرة لا حاجة لها، إذ إنها تساوي مساحة الظلة الجنوبية للمصلين، والتي هي المقصد الأول من إقامة المسجد. أصحاب الصفة تفيد المصادر التاريخية أن معظم من نزل الصفة كانوا من فقراء المهاجرين الذين لم يجدوا مكاناً ينزلون فيه، وأن أول من نزلها مهاجرو مكة، وأن بعض الأنصار نزلها؛ حباً في حياة الزهد والفقر، ومواساة لإخوانهم من أهل الصفة؛ رغم استغنائهم عن ذلك لوجود دار لهم في المدينة(63). فعن عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنه- أنه قال: « إن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء»(64). وعن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: «كان أهل الصفة ناساً من أصحاب رسول الله r لا منازل لهم، فكانوا ينامون على عهد رسول الله r في المسجد، ويظلون فيه ما لهم مأوى غيره »(65). وعن طلحة النضري -رضي الله عنه- قال: «كان الرجل منا إذا قدم المدينة، فكان له بها عريف نزل على عريفه، وإن لم يكن له بها عريف نزل الصفة، فقدمت، فنزلت الصفة»(66). ومما يدل على أن أول من نزل الصفة المهاجرون من قريش، ما روي عن ابن عباسt في قوله تعالى: ﮋ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮊقال: «هم أصحاب الصفة»، وقال مجاهد: «هم مهاجرو قريش بالمدينة مع النبي r، أمروا بالصدقة عليهم»(67). ولذلك نسبت إليهم الصفة، فقيل: صفة المهاجرين، كما روي عن واثلة ابن الأسقع t « أن رسول الله r جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان: أيُّ آية في القرآن أعظم؟ قال النبي r: « الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم »(68). ثم نزل بها الغرباء من الوفود الذين كانوا يقدمون على النبي r معلنين إسلامهم وطاعتهم(69). لذا فأهل الصفة ينتمون إلى قبائل شتى، من مهاجري مكة وغيرها، يدل على ذلك أن النبي r وصفهم بالأوْفَاض، فعن أبي رافع t قال: « لما ولدت فاطمة حسناً، قالت: ألا أعق عن ابني بدم، قال: لا، ولكن احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره من فضة على المساكين، والأوفاض، وكان الأوفاض ناساً من أصحاب رسول الله r محتاجين في المسجد، أو في الصفة، وقال أبو النضر: من الورق على الأوفاض – يعني: أهل الصفة، أو على المساكين- ففعلت ذلك، قالت: فلما ولدت حسيناً فعلت مثل ذلك »(70). والأَوْفَاض: الفِرق من الناس والأخلاط من قبائل شتى، من وَفَضَت الإبل إذا تفرقت، قال أبو عبيد: والمراد بهم أهل الصفة؛ لأنهم كانوا أخلاطاً من قبائل شتى (71). ويرى الشيخ محمد شراب في كتابه المدنية النبوية(72) أن أهل الصفة ليسوا من الأنصار، ولا من مهاجري مكة، حيث يقول: «نرجح أن أهل الصفة كانوا ينتمون إلى قبائل بعيدة عن المدينة، وليسوا من الأنصار، أو من المهاجرين، أما كونهم ليسوا من الأنصار، فلأن الأنصار كانوا أهل المدينة، ولكلٍ بيته وعمله، وهم ليسوا من المهاجرين؛ لأن الرسول r آخى بين المهاجرين والأنصار، ومن حقوق المؤاخاة أن يكفل الأنصاري للمهاجر أقل قدر من القوت»(73). إلا أن المتأمل في الروايات السابقة التي أوردتها يجد أن أهل الصفة مع اختلاف قبائلهم، وتعدد مواطنهم كان بينهم عدد من مهاجري مكة، ويؤيد ذلك أن النبي r لم يؤاخ بين جميع المهاجرين والأنصار، بل كان عدد الذين آخى النبي r بينهم تسعين رجلاً، وقيل: مائة، خمسون من المهاجرين، وخمسون من الأنصار، وكان ذلك قبل غزوة بدر(74)، ويذكر ابن الجوزي في المنتظم(75) أسماء الذين آخى النبي r بينهم، فنجد أن كثيراً منهم ممن ذكروا فيمن نزل الصفة. وتشير بعض المصادر التاريخية إلى نزول عدد من الأنصار في الصفة، ولم يكن نزولهم إلا حباً لحياة الزهد والفقر، ومواساة لإخوانهم، رغم استغنائهم عن ذلك، يقول أبو نعيم في ترجمة أبي سعيد الخدري: «وحاله قريب من حال أهل الصفة، وإن كان أنصاري الدار؛ لإيثاره التصبر، واختياره للفقر والتعفف»(76). وبالرجوع إلى من اعتنى بذكر أسمائهم نجد عدداً من أهل الصفة من مهاجري مكة كعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وسلمان الفارسي، وبلال بن رباح، وصهيب بن سنان، وزيد بن الخطاب أخي عمر، وغيرهم، ومن الأنصار: كالبراء بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وحارثة بن النعمان، وحنظلة بن أبي عامر، وغيرهم(77). نسبة أهل الصفة: ينسب أهل الصُّفة إلى المكان المظلل في آخر المسجد كما قال القاضي عياض().78 روى البيهقي عن عثمان بن اليمان قال: « لما كثر المهاجرون بالمدينة، ولم يكن لهم دار، ولا مأوى، أنزلهم رسول الله r المسجد، وسماهم أصحاب الصفة، فكان يجالسهم، ويأنس بهم »(79). وأخرج أبو نعيم في الحلية(80) من مرسل الحسن قال: «بنيت صفة في المسجد لضعفاء المسلمين». أما نسبتهم إلى اصطفافهم على باب المسجد(81) فغير صحيح، قال الحافظ ابن حجر: «وأبعد من قال: إنهم سموا بذلك؛ لأنهم كانوا يصفون على باب المسجد»(82). حال أهل الصفة: عاش أهل الصفة في فقر شديد، ومعاناة قاسية، وضيق في الملبس، والمأكل، والمسكن، لم يملكوا شيئاً من حطام الدنيا، لا يأوون إلى أهل، ولا إلى مال، إذا صلوا مع الناس خروا من قيامهم في صلاتهم لما بهم من الخصاصة، حتى يقول الأعراب: إن هؤلاء مجانين، يشدون الحجر على بطونهم من الجوع، أكلوا التمر حتى أحرقت بطونهم، وكان ربما لا يأكل الواحد منهم إلا التمرة أو التمرتين، ولم يجتمع لهم ثوبان، ولا حضر عندهم من الأطعمة لونان، ومع ذلك كله قنعوا بالقليل من الطعام، والخشن من الثياب، ولم يحزنوا على ما فاتهم من متاع الدنيا وزينتها، بل كانت نفوسهم مؤمنة صابرة راضية قانعة بما قسمه الله لهم، أغنياء من التعفف، فرحون بما أعده الله لهم في العقبى. لذا أثنى الله عز وجل عليهم في كتابه العزيز(83). قال السدي ومجاهد وغيرهما: «المراد بهؤلاء الفقراء: فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم»، وقال القرطبي: «وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر؛ لأنه لم يكن هناك سواهم، وهم أهل الصفة، وكانوا نحواً من أربعمائة رجل، وذلك أنهم كانوا يقدمون فقراء على رسول الله r، وما لهم أهل ولا مال، فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله r، فقيل لهم: أهل الصفة»(84). ولقد صوَّر لنا أبو هريرة رضي الله عنه - عريف أهل الصفة - وغيره ممن سكنها ما تحملوه من الصبر على الجوع، والفقر، وضيق الحال، ومن ذلك: * عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: « آلله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم r، فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي، وما في وجهي، ثم قال: يا أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق ومضى، فتبعته، فدخل، فأستأذن، فأذن لي، فدخل فوجد لبناً في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان، أو فلانة، قال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة، فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل، ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة، كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله r بد، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: يا أباهر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فأعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي r، وقد روى القوم كلهم، فأخذ القدح، فوضعه على يده، فنظر إليَّ، فتبسم، فقال: أباهر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا، وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب، فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا، والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً، قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله، وسمى، وشرب الفضلة »(85). * وعنه - رضي الله عنه - قال: « رأيت سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته»(86). * وعنه - رضي الله عنه - قال: « لقد رأيتني، وإني لأخِرُّ فيما بين منبر رسول الله r إلى حجرة عائشة مغشياً عليَّ، فيجيء الجائي، فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون، وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع»(87). * وعنه -رضي الله عنه- قال: « أتت علي ثلاثة أيام لم أطعم فيها طعاماً، فجئت أريد الصفة، فجعلت أسقط، فجعل الصبيان ينادون جُنَّ أبو هريرة، قال: فجعلت أناديهم، وأقول: بل أنتم المجانين، حتى انتهينا إلى الصفة، فوافقت رسول الله r أتى بقصعة من ثريد، فدعا عليها أهل الصفة، وهم يأكلون منها، فجعلت أتطاول كي يدعوني، حتى قام القوم، وليس في القصعة إلا شيء في نواحي القصعة، فجمعه رسول الله r فصارت لقمة، فوضعها على أصابعه، ثم قال لي: كل، باسم الله، فو الذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت »(88). * وعن طلحة النضري -رضي الله عنه- قال: « أتيت المدينة، وليس لي بها معرفة، فنزلت في الصفة مع رجل، فكان بيني وبينه كل يوم مد من تمر، فصلى رسول الله rذات يوم، فلما انصرف، قال رجل من أصحاب الصفة: يا رسول الله، أحرق بطوننا التمر، وتخرقت عنا الخنف(89)، فصعد رسول الله r، فخطب، ثم قال: والله لو وجدت خبزاً، أو لحماً؛ لأطعمتكموه، أما إنكم توشكون أن تدركوا، ومن أدرك ذلك منكم أن يراح عليكم بالجفان، وتلبسون مثل أستار الكعبة، قال: فمكثت أنا وصاحبي ثمانية عشر يوماً وليلة، مالنا طعام إلا البرير(90)، حتى جئنا إلى إخواننا من الأنصار فواسونا، وكان خير ما أصبنا هذا التمر »(91). * وعن قتادة – رضي الله عنه- قال: « ذكر لنا نبي الله r دخل على أهل الصفة، وكان يجتمع بها فقراء المسلمين، وكانوا يرقعون ثيابهم بأدم، لولا يجدون رقاعاً، فقال: أنتم اليوم خير، أو يوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى، وتغدو عليه جفنة، ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة؟ قالوا: لا بل نحن يومئذ خير، فقال النبي r: لا بل أنتم اليوم خير »(92). * وعن عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه -وكان من أهل الصفة- قال: استكسيت رسول الله r، فكساني خيشتين، فلقد رأيتني وأنا أكسي أصحابي»(93). نفقة أهل الصفة: لما كان أهل الصفة أناساً فقراء، لا مال لهم، ولا أهل، ولا عمل يكتسبون منه، جاء مبدأ التكافل الاجتماعي؛ ليعطي صورة مشرقة عن المجتمع الأول للدولة الإسلامية، فقد حث النبي rأصحابه على البذل، والسخاء، والإيثار، وإكرام أهل الصفة، واستضافتهم، وكانت نفقتهم تتمثل في الموارد التالية: المورد الأول: الصدقة: حث الله - عز وجل - المؤمنين بالصدقة عليهم، فقال تعالى { لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ
{(94). قال محمد بن كعب القرظي: «هم أصحاب الصفة، كانوا لا منازل لهم بالمدينة ولا عشائر»(95). وكان النبي r يرسل لهم بالصدقة كلما أتته، فعن أبي هريرة t قال: قال لي رسول الله r: « الحق إلى أهل الصفة، فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل، ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها»(96). ومن صور الصدقة: تعليق القنو(97) في المسجد: جاءت فكرة تعليق الأقناء في المسجد من محمد بن مسلمة الأنصاري، فإنه لما جدّ ماله جاء بعذق من رطب، فجعله في المسجد بين ساريتين، ثم اقترح على النبي r هذا الأمر؛ لينتظم طعام أهل الصفة بصورة مستمرة، فاستحسن النبي r ذلك، وأمرهم بأن يرسلوا من كل جداد عشرة أوسق من التمر بعذق، يعلق في المسجد للمساكين(98)، وذهب المنافقون ليفعلوا مثل فعلهم رياء، فصاروا يأتون بأقناء الحشف، والرطب الرديء، فأنزل الله تعالى فيهم قوله: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
{ (99). فعن البراء - رضي الله عنه- في قوله تعالى: ﮋ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮊ قال: «نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين، فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه، فيسقط من البسر والتمر، فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير، يأتي الرجل بالقنو فيه الشبص(100) والحشف، وبالقنو قد انكسر، فيعلقه، فأنزل الله تعالى (101) قال: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطاه، لم يأخذه إلا على إغماض وحياء، قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده »(102). وعن ابن عمر رضي الله عنهما: « أن النبي r أمر من كل حائط بقنو للمسجد »(103). وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: « دخل علينا رسول الله r المسجد، وبيده عصا، وقد علق رجل منا حشفاً، فطعن بالعصا في ذلك القنو، وقال: لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها، وقال: إن رب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة » (104). وكان معاذ بن جبل -رضي الله عنه- يقوم على حراسة الأقناء، أو على قسمتها(105). --------------------------
([1]) المعجم الوسيط 1/517. ([2]) لسان العرب 9/195. ([3]) فتح الباري 2/540. ([4]) ورد ذكر ( صفة زمزم ) في عدة أحاديث، منها: · أن ابن عباس رضي الله عنهما صلى صلاة الكسوف جماعة في صفة زمزم. أخرجه البخاري في صحيحه تعليقاً 1/357. · حديث عائشة رضي الله عنها: « أن رسول الله r صلى في كسوف في صفة زمزم، أربع ركعات، في أربع سجدات » أخرجه النسائي في سننه 3/135. · أن أبا محذورة رضي الله عنه كان يؤذن في مكة في صفة زمزم. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 1/476. · عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنا مع رسول الله r في صفة زمزم، فأمر بدلو فنزعت له من البير...» أخرجه الأزرقي في أخبار مكة 2/57. وانظر: وصف صفة زمزم في كتاب أخبار مكة للأزرقي 2/104. ([5]) ورد ذكر ( صُّفة النساء ) في أكثر من حديث، منها: · حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما « أن النبي r قطع يد رجل سرق ترساً من صفة النساء ثمنه ثلاثة دراهم » أخرجه أبو داود في سننه 4/136، والنسائي في سننه 7/77، وأحمد في مسنده 2/145. · عن بقيرة امرأة القعقاع قالت: إني لجالسة في صفة النساء فسمعت رسول الله r يخطب، وهو يشير بيده اليسرى، فقال: « يا أيها الناس إذا سمعتم بخسف ههنا قريباً، فقد أظلت الساعة » أخرجه أحمد في مسنده 6/379، والطبراني في المعجم الكبير 24/204. · حديث قصة إسلام أبي العاص: وفيه « خرجت زينب من صفة النساء، وقالت: أيها الناس، إني أجرت أبا العاص بن الربيع ». أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 22/430. ([6]) وفاء الوفا 2/453؛ فتح الباري10/386؛ رجحان الكفة 136؛ رسالة في أهل الصفة وأحوالهم 329. ([7]) انظر: صحيح البخاري 1/23، كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان، حديث (40 )؛ وصحيح مسلم 1/374، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، حديث (525 ). ([8]) السيرة النبوية الصحيحة 1/257؛ مجتمع المدينة المنورة في عهد الرسول r102. ([9]) السنن الكبرى للبيهقي 2/445. ([10]) وفاء الوفا 2/ 453. ([11]) وهو ما رجحه مؤلف كتاب المدينة النبوية 1/221. ([12]) رواه البخاري في صحيحه 3/1025، كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير، حديث (2631 )؛ ومسلم في صحيحه 4/1488، كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير، حديث ( 1864 ). ([13]) تلبيس إبليس 201. ([14]) ذكره ابن حجر في المطالب العالية 16/252 بهذا اللفظ، وقال: هذا منقطع. ([15]) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك لابن الجوزي 10/10؛ صفة الصفوة 2/199. ([16]) المعجم الكبير للطبراني 3/44، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4/272: ورجاله رجال الصحيح. ([17]) حلية الأولياء 2/34. ([18]) المستدرك 3/153. ([19]) السنن الكبرى للبيهقي 7/63 ([20]) مصنف عبد الرزاق 6/163. ([21]) مشارق الأنوار 2/55. ([22]) فتح الباري10/386. ([23]) تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف 279. ([24]) رحلة ابن جبير 145. ([25]) وفاء الوفا 2/545. ([26]) رواه البيهقي في السنن الكبرى 2/445، حديث ( 4135 ). ([27]) الطبقات الكبرى لابن سعد1/255. ([28]) تحقيق النصرة 68-71؛ عمارة المسجد النبوي 42-45. ([29]) وفاء الوفا 2/453. ([30]) المجموع للنووي 8/205؛ وفاء الوفا 1/334. ([31]) وفاء الوفا 1/341-343. ([32]) مرآة الحرمين 1/ 461. ([33]) هي التي خلف ظهر الإمام عن جهة يساره، يعني المتوسطة في الروضة، المعروفة بأسطوان عائشة رضي الله عنها. تلخيص النصرة 92. ([34]) أخبار المدينة لابن زبالة 86. ([35]) التعريف بما آنست الهجرة 85. ([36]) أخرجه البخاري في صحيحه 3/1430، باب مقدم النبي rوأصحابه المدينة، حديث ( 3717 )؛ ومسلم في صحيحه 1/373،كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبي r، حديث ( 524 ). ([37]) صحيح البخاري 1/188، كتاب الصلاة، قدر كم ينبغي أن تكون بين المصلي والسترة؟ حديث ( 475 ). ([38]) الثمام: نبت ضعيف قصير لا يطول. النهاية في غريب الأثر1/223. ([39]) رواه عبد الرزاق في مصنفه 3/154، حديث (5135 )؛ والدارمي في سننه1/31، حديث ( 38 )؛ والبيهقي في دلائل البنوة 2/542. ([40]) الطبقات الكبرى لابن سعد1/240؛ تحقيق النصرة 64-71؛ تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة 267؛ وفاء الوفا 1/335؛ عمارة المسجد النبوي 42-45. ([41]) مرآة الحرمين 1/461. ([42]) المدخل لأحمد فكري 186. ([43]) أخبار المدينة لابن زبالة 79؛ تحقيق النصرة 70. ([44]) ذكر ابن حجر الهيثمي في تحفة الزوار ص ( 89 ) أن أسطوانات المسجد النبوي من جذوع النخل، بين كل أسطوانتين عشرة أذرع. ([45]) صحيح مسلم 2/1051، كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب، حديث ( 1428). ([46]) رواه الترمذي في سننه 5/627، كتاب المناقب، باب في مناقب عثمان، حديث ( 3703 ) وحسنه؛ والنسائي في سننه6/235، باب وقف المساجد، حديث ( 3607 ). ([47]) عمارة المسجد النبوي 53. ([48]) الطبقات الكبرى 1/239. ([49]) المسجد النبوي بالمدينة المنورة ورسومه في الفن الإسلامي لأحمد رجب 22. ([50]) العمارة الإسلامية المبكرة لكريسويل 1/9، نقلاً عن عمارة المسجد النبوي 57. ([51]) العمارة العربية في عصر الولاة لفريد شافعي 1/ 66. ([52]) مساجد مصر وأولياؤها الصالحون 1/37. ([53]) المسجد النبوي بالمدينة المنورة ورسومه في الفن الإسلامي 30. ([54]) المدخل 186؛ المسجد النبوي بالمدينة المنورة 27. ([55]) المدخل لأحمد فكري 186. ([56]) عمارة المسجد النبوي للشهري 58. ([57]) مجلة منبر الإسلام، العدد الثالث، السنة 26، ربيع الأول سنة 1388هـ/1968 م ص 138، نقلاً عن عمارة المسجد النبوي 61. ([58]) بيوت الصحابة حول المسجد النبوي الشريف لمحمد إلياس 46. ([59]) هي: مصطبة مسطحها نحو اثني عشر متراً طولاً، في ثمانية أمتار عرضاً، وارتفاعها نحو أربعين سنتيمتراً. ([60]) تاريخ معالم المدينة المنورة قديماً وحديثاً 69. ([61]) بيوت الصحابة 47. ([62]) طول الظلة في الركن الشمال الشرقي أو الشمال الغربي تقدر بـ 25 متراً × 5 أمتار عرض ما بين الأسطوانة والحائط الشمالي = 125 متراً. ([63]) السيرة النبوية الصحيحة 1/259. ([64]) صحيح البخاري 1/217، كتاب مواقيت الصلاة، باب السمر مع الضيف والأهل، حديث ( 577 ). ([65]) الطبقات الكبرى لابن سعد1/255. ([66]) أخرجه أحمد في مسنده 3/487؛ والحاكم في المستدرك 3/16، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه؛ وابن حبان في صحيحه 15/77؛ والبيهقي في السنن الكبرى 2/445. ([67]) الدر المنثور 2/89؛ فتح القدير1/293. ([68]) رواه أبو داود في سننه4/37، كتاب العتق، باب أول كتاب الحروف والقراءات، حديث (4003)؛ والطبراني في المعجم الكبير 1/334، حديث (999 )، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 6/321: فيه راو لم يسم وقد وثق، وبقية رجاله ثقات.اهـ. وقال السيوطي في الدر المنثور2/5: رجاله ثقات.اهـ. ([69]) صحيح البخاري 1/169، كتاب الصلاة، باب نوم الرجال في المسجد. ([70]) أخرجه أحمد في مسنده 6/390، حديث (27227)؛ والطبراني في المعجم الكبير 1/311، حديث (918)؛ والبيهقي في السنن الكبرى 9/304، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد 4/57. ([71]) غريب الحديث لابن الجوزي 2/478؛ لسان العرب 7/251. ([72]) المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي 1/223. ([73]) المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي 1/223. ([74]) الطبقات لابن سعد 1/238. ([75]) المنتظم 3/71 – 76. ([76]) حلية الأولياء 1/369. ([77]) المستدرك للحاكم 3/19؛ حلية الأولياء 1/350-369. ([78]) مشارق الأنوار 2/55؛ وفاء الوفا 2/453. ([79]) السنن الكبرى للبيهقي 2/445. ([80]) حلية الأولياء 1/340. ([81]) مشارق الأنوار 2/50. ([82]) مقدمة فتح الباري 1 /141. ([83]) سورة البقرة: 273. ([84]) تفسير القرطبي 3/340. ([85]) رواه البخاري في صحيحه 5/2370، كتاب الرقاق، باب كيف كان عيش النبي r وأصحابه وتخليهم من الدنيا، حديث (6087 ). ([86]) رواه البخاري في صحيحه 1/170، كتاب الصلاة، باب نوم الرجال في المسجد، حديث (431). ([87]) رواه البخاري في صحيحه 6/2670، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما ذكر النبي r وحض على اتفاق أهل العلم وما اجتمع عليه الحرمان مكة والمدينة وما كان بها من مشاهد النبي r والمهاجرين والأنصار ومصلى النبي r والمنبر والقبر، حديث ( 6893 ). ([88]) رواه ابن حبان في صحيحه 14/468، باب المعجزات، ذكر ما بارك الله ما فضل من أزواد أصحاب رسول الله r، حديث ( 6533 ). ([89]) الخُنُف: جمع خنيف، وهو نوع غليظ من أردأ الكتان، أراد ثياباً تعمل منه كانوا يلبسونها. النهاية في غريب الأثر 2/84. ([90]) البرير: ثمر الأراك إذا اسودَّ وبلغ. النهاية في غريب الأثر 1/117. ([91]) أخرجه أحمد في مسنده 3/487 حديث( 16031 )؛ والحاكم في المستدرك 3/16، حديث (4290 )، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه؛ وابن حبان في صحيحه 15/77؛ والبيهقي في السنن الكبرى 2/445. ([92]) الزهد لابن حنبل 37. ([93]) رواه أبو داود في سننه 4/44، كتاب اللباس، باب في لبس الصوف والشعر، حديث ( 4032 )؛ وأحمد في مسنده 4/185، حديث (17692). ([94]) البقرة: 272- 273. ([95]) الدر المنثور 2/89. ([96]) سبق تخريجه. ([97]) القنو: العذق بما فيه من الرطب، جمعه: أقناء وقنوان، ومنه قوله تعالى: ( ومن النخل من طلعها قنوان دانية ). لسان العرب 15/204. ([98]) وفاء الوفا 2/457. ([99]) سورة البقرة: 267. ([100]) الشبص: الخشونة، ودخول شوك الشجر بعضه في بعض. لسان العرب 7/44. ([101]) البقرة: 267. ([102]) رواه الترمذي في سننه 5/218، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله r، باب ومن سورة البقرة، حديث (2987 ). ([103]) رواه الحاكم في المستدرك1/577، كتاب الزكاة، حديث (1522) وصححه؛ والطبراني في الأوسط 1/66، حديث ( 187 )، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 3/77: رجاله رجال الصحيح. ([104]) رواه أبو داود في سننه 2/111، كتاب الزكاة، باب ما لا يجوز من الثمرة في الصدقة، حديث (1608 )؛ وابن ماجه في سننه 1/853، كتاب الزكاة، باب النهي أن يخرج في الصدقة شر ماله، حديث (1821 )؛ والنسائي في سننه 5/43، كتاب الزكاة، باب قوله عز وجل (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) حديث (2492)؛ والحاكم في المستدرك 4/472، كتاب الفتن، حديث (8310 )، وصححه. ([105]) أخبار المدينة 104؛ فتح الباري 1/516. المسجد النبوي الشريف